السيد محمد باقر الصدر
73
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
بصورة متتابعة . ولنأخذ حالة افتراضيّة لتوضيح الفكرة في هذا الاعتراض ، فنفترض أنّا نريد أن نختبر أثر شراب معيَّن ومدى قدرته على إيجاد الصداع لدى الشخص الذي يستعمله ، فنعطي هذا الشراب إلى عدد كبير من الناس ، فنلاحظ أنّهم أصيبوا جميعاً بالصداع عقيب استعمال الشراب . ففي هذا المثال نلاحظ اقترانين : أحدهما موضوعيّ مستقلّ عن ذاتيّة المجرّب ، وهو اقتران ذلك الشراب بالصداع . والآخر ذاتي ، وهو اقتران الاختيار العشوائي للمجرّب بظهور الصداع ، حيث ظهر الصداع لدى كلّ الأفراد الذين اختيروا عشوائيّاً لإجراء التجربة عليهم . فإذا كانت بين الشراب والصداع رابطة سببيّة حقّاً فهذان الاقترانان نتيجة طبيعيّة لهذه الرابطة ، ولا يوجد في الموقف حينئذٍ أيّ صدفة نسبيّة . وأمّا إذا افترضنا عدم وجود رابطة سببيّة بين الشراب والصداع وأ نّنا على علم مسبق بأنّ الشراب لا أثر له في الصداع ، فسوف نواجه في كلّ من الاقترانين الموضوعي والذاتي صدفة نسبيّة ، وفي تكرّر تلك الاقترانات تكرّراً في الصدفة النسبيّة . وعند هذا نتساءل : إنّ فرضيّة التضادّ بين الصدف النسبيّة المتماثلة التي نريد مناقشتها الآن ، هل تطبّق على الاقتران الموضوعي بين الشراب والصداع ، أو على الاقتران الذاتي بين الاختيار العشوائي وظهور الصداع ؟ أمّا الاقترانات الموضوعيّة المتكرّرة بين الشراب والصداع ، فليس بينها أيّ تضادّ أو تمانع ، بدليل أنّ بإمكان الإنسان أن يختار - مسبقاً وبطريقة واعية - الأفراد الذين تتوفّر فيهم الشروط اللازمة لظهور الصداع ، فيعطيهم من الشراب ويحصل عندئذٍ على أيّ عدد يشاء من الاقترانات الموضوعيّة بين الشراب والصداع التي تمثّل صدفاً نسبيّة متماثلة . وأمّا الاقترانات الذاتيّة بين الاختيار العشوائي للمجرّب وظهور الصداع ،